ريادة الأعمال فى مواجهة البطالة / أ.د أحمد الشميمرى
السبت: 23 أبريل 2011      الساعة 2:19 مساءً
فى العام الماضى نشرت منظمة العمل العربية تقريرا عن تصاعد أرقام البطالة فى العالم العربى،ثم اختتم التقرير بالقول إن البطالة فى مصر وتونس وليبيا والعراق تجاوزت كل الخطوط الحمراء،وإن معدلات البطالة فى العالم العربى هى الأعلى والأسوأ فى العالم،وبلغت فى الدول العربية الإفريقية أكثر من 16.1 فى المائة مقابل 13.8 فى المائة فى الدول العربية الآسيوية،وأن عدد العاطلين عن العمل فى العالم العربى قد يبلغ 80 مليون شخص عام 2013 .
كما أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009 الصادر من برنامج الأمم المتحدة الإنمائى إلى أن البطالة تعتبر من المصادر الرئيسة لإنعدام الأمن الاقتصادى فى معظم البلدان العربية.
وفى الحقيقة فإن البطالة تعتبر تحديا عالميا معقدا لمعظم دول العالم،وهاجسا يقلق المجتمع وأفراده،كما يفرض على صناع القرار والمخططين البحث والتحرى لمعرفة آثارها وأسبابها وعلاجها والاستفادة من تجارب السابقين من الدول المتقدمة فى كيفية التغلب على هذه الظاهرة الهدامة.
ووضعت الدول لها الحلول وتستحدث من أجلها البرامج والتشريعات أملا فى التغلب على هذه الظاهرة قبل تفاقمها وتقليل آثارها قبل استشرائها وتقليل نسبتها إلى الحد المقبول عالميا.
ومن الحلول الحديثة التى أقبل عليها عدد من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء هى اللجوء إلى ريادة الأعمال بوصفها منبعا كبيرا لإنشاء الأعمال الناشئة وترسيخ ثقافة العمل الحر فى المجتمعات.
وأدركت أكثر من دولة عالمية أهمية ريادة الأعمال فى خلق الفرص الوظيفية العاجلة والمستديمة للمواطنين وفتح الآفاق الرحبة والواسعة للابتكار وتشجيع المبادرات؛فها هى الولايات المتحدة بعد اقتناعها بأن المنافسة الذكية المستديمة التى انتهجتها دول شرق آسيا كانت ترتكز إلى دعم رواد الأعمال،فقد اعتمدت خطة متوسطة الأمد فى الفترة من 1992 إلى 1998 لحل مشكلة البطالة،وذلك بتركيزها على ريادة الأعمال؛تمثلت فى التركيز على دعم إنشاء مشروعات الرواد الصغيرة،فكانت نتيجة تلك الخطة أن تم استحداث أكثر من 15 مليون فرصة عمل للمواطنين فى أمريكا تلك الفترة،فأصبحت أمريكا ترويها كخطة موفقة خففت من حدة البطالة وآثارها السيئة.
أما البرازيل التى كانت تعانى بطالة منهكة بلغت 12.3 فى المائة عام 2004 فقد لجأت هى الأخرى إلى دعم وإنشاء المشروعات الصغيرة فى عدة أنشطة يمكن تأسيسها برأسمال قليل،مثل العمل من المنزل والمنتجات اليدوية وكذلك بيع الملابس وصناعة الأثاث وبيع التجزئة للأجهزة الكهربائية،كما شجعت التصنيع البسيط وقامت بدعم التصدير لكل المنشآت الصغيرة بتسهيلات وتشريعات محفزة، فانخفضت نسبة البطالة كل عام لتصل عام 2010 إلى 8.1 فى المائة،ليس ذلك فحسب،بل نما الاقتصاد البرازيلى بشكل ملحوظ ليضعها تاسع أكبر اقتصاد فى العالم لعام 2010.
أما إيطاليا فقد شهدت هى الأخرى من خلال دعم المشروعات الصغيرة وتسهيل إنشائها ورعايتها ودعمها تجربة ناجحة لمواجهة البطالة المتزايدة فى البلاد التى بلغت 11 فى المائة عام 1999،ومع الدعم والتحفيز المستمرين للمشروعات الصغيرة وقصر بعض مجالات التصنيع والامتيازات عليها كى تدخل الأسواق وتنافس الشركات الكبيرة،استطاعت إيطاليا أن تخفض نسبة البطالة إلى نحو النصف لتصل 6 فى المائة عام 2008م،كما أثمرت تلك الخطة بأن تستحدث أكثر من مليونى مشروع صغير.
ويمتد دور ريادة الأعمال ليشمل التصدى لظاهرة الفقر أيضا،فبحسب الإحصاءات المنشورة عن الفقر فقد ارتفع عدد الأسر شديدة الفقر إلى نحو 16 ضعفا خلال نحو عقد من الزمن،فقد كانت 7.6 مليون أسرة عام 1997 لتصل إلى 190 مليون أسرة عام 2009،وفى المقابل فقد أوضحت الإحصاءات لعام 2009 أن إقراض الأسر الفقيرة لإنشاء مشاريع متناهية الصغر قد ساهم بأن تحصل 128 مليون أسرة حول العالم على قرض لتبدأ عملا كريما يساعدها على الكسب من جهدها،ويتيح لها خلق وظائف لأفراد الأسرة.
وبحسب إحصاءات حملة القمة الدولية لإقراض المشاريع متناهية الصغر لعام 2011 فإن الحملة أتاحت لنحو 641 مليون فرد فى العالم الاستفادة من تخطى خط الفقر،وكانت مجالات الإقراض لرواد الأعمال بسيطة ومركزة على إنشاء المشروعات الصغيرة أو متناهية الصغر مثل إنشاء محال التجزئة الصغيرة لبيع المواد التمويلية البسيطة،أو بيع الملابس والأجهزة الكهربائية والهواتف النقالة ومستلزماتها، والحرف والمصنوعات اليدوية، والنقل والمواصلات.
وصرحت سفيرة الولايات المتحدة فى وزارة الخارجية لشئون المرأة بأن ريادة الأعمال عبر الإقراض متناهى الصغر انتشلت ملايين السيدات من براثن الفقر،وأن أكثر من 81 فى المائة من القروض الصغيرة كانت موجهة للنساء.
ومما يدعو إلى التفاؤل والأمل أن المملكة تدرك أهمية ريادة الأعمال ومدى أثر المشروعات الصغيرة فى نشر ثقافة العمل الحر واستحداث الفرص الوظيفية للمواطنين؛فالصناديق الحكومية الراعية والبرامج التشجيعية المتزايدة والقرارات الرسمية الداعمة تتوجه بكل اهتمام نحو المشروعات الصغيرة.
وفى الجانب التعليمى يحسب لوزارة التعليم العالى أنها شجعت الجامعات على هذا التوجه واستنهضتها للعمل على أن تكون جامعات ريادية،كما يسجل لجامعة الملك سعود أنها ترجمت هذه التوجهات وبادرت فى إنشاء أول البرامج الأكاديمية والأنشطة الريادية فى قلب العملية التعليمية،وأجزم بأن بقية الجامعات ستتبعها عاجلا أم آجلا فى التوجه نحو ريادة الأعمال،كيف لا ونحن نرى أن جامعة واحدة فقط فى العالم هى جامعة MIT تؤسس أكثر من 200 شركة ناشئة سنويا وتستحدث نحو 150 ألف وظيفة،كما أن إجمالى الشركات التى استحدثتها هذه الجامعة أو خريجوها منذ تأسيسها بلغ نحو 26 ألف شركة وأسهم فى خلق أكثر من ثلاثة ملايين وظيفة.
ويذكر موقع جامعة MIT تعليقا على مساهمتها فى تنمية الاقتصاد الأمريكى أن مجموع إجمالى الدخل لتلك الشركات يساوى ميزانية دولة سيكون ترتيبها 11 عالميا.
وختاما فالذى نحتاج إليه فى هذه الفترة هو الاستجابة السريعة للحلول المستفيضة المطروحة منذ سنوات لكيفية حلول ريادة الأعمال التكاملية وكيفية معالجتها للبطالة بشكل مستديم أسوة بما هو حاصل في الدول المتقدمة.
المصدر : جريدة "الاقتصادية"